سيد محمد طنطاوي

159

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - فأنزل اللَّه في ذلك قوله - تعالى - : * ( ما كانَ لِبَشَرٍ ) * إلى قوله : * ( بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * « 1 » . فقوله - تعالى - * ( ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَه اللَّه الْكِتابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه ) * رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون اللَّه والمعنى : لا يصح ولا ينبغي ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه اللَّه - تعالى - وأعطاه * ( الْكِتابَ ) * الناطق بالحق ، الآمر بالتوحيد ، الناهي عن الإشراك ، وآتاه * ( الْحُكْمَ ) * أي العلم النافع والعمل به ، وآتاه * ( النُّبُوَّةَ ) * أي الرسالة التي يبلغها عنه - سبحانه - إلى الناس ، ليدعوهم إلى عبادته وحده ، وإلى مكارم الأخلاق ، لا يصح له ولا ينبغي بعد كل هذه النعم أن يكفرها * ( ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ) * بعد هذا العطاء العظيم الذي وهبه اللَّه له * ( كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه ) * أي : لا ينبغي ولا يعقل من بشر آتاه اللَّه كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو * ( كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه ) * لأن الأنبياء الذين آتاهم اللَّه الكتاب والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من اللَّه ، وإخلاصهم له ، عن أن يقولوا هذا القول المنكر ، كما يحجزهم عنه - أيضا - ما امتازوا به من نفوس طاهرة ، وقلوب نقية ، وعقول سليمة . . . لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم اللَّه - تعالى - أخذ عزيز مقتدر فهو - سبحانه - القائل : ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ . لأَخَذْنا مِنْه بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْه الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْه حاجِزِينَ . والتعبير بقوله - تعالى - : * ( ما كانَ لِبَشَرٍ ) * تعبير قرآني بليغ ، إذ يفيد نفى الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة في الرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام - وشبيه بهذا التعبير قوله - تعالى - : ما كانَ لِلَّه أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً . وجاء العطف بثم في قوله * ( ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ) * للإشعار بالتفاوت العظيم بين ما أعطاه اللَّه - تعالى - لأنبيائه من نعم ، وبين هذا القول المنكر الذي نفاه - سبحانه - عنهم ، وهو أن يقولوا للناس : اجعلوا عبادتكم لنا ولا تجعلوها اللَّه - تعالى - ثم بين - سبحانه - ما يصح للأنبياء أن يقولوه للناس فقال - تعالى - : * ( ولكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) * . وقوله * ( رَبَّانِيِّينَ ) * جمع رباني نسبة إلى الرب - عز وجل - بزيادة الألف والنون سماعا للمبالغة كما يقال في غليظ الرقبة رقبانى وللعظيم اللحية : لحياني .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 377 .